اخبار السعودية الان بـأي أرض تمـوت

0 تعليق 8 ارسل لصديق نسخة للطباعة

آخر تحديث: الخميس 20 رمضان 1438هـ - 15 يونيو 2017م KSA 04:22 - GMT 01:22

قـبل كل رحلة للخارج أوصي عائلتي بدفني حيث أموت.. فأنا أؤمن بأن إكرام الميت دفنه (حيث هو) وأن جسد المتوفى لا يجب امتهانه بإجراءات توضيبه وتصبيره وتحميله والسفر به.. وفي النهاية دفنه فوق نفس الكوكب..

الانسان بدون شك أرقى مخلوقات الله وأكرمها منزلة، ولكن جسده ليس أكثر من دهون وبروتين وكربون وسوائل تتبخر بعد أيام من وفاته.. بعد خروج الروح لا يبقى الكثير من كياننا البشري ــ وبالتالي ــ يصبح إكرام الميت سرعة دفنه في مكانه قبل أن يتعفن ويتيبس ويتم التعامل معه كقطعة لحم مجففه (وهذا سـر وصيتي)..

ما يدهشني فعلا هو تفاوت ثقافات العالم في نظرتها وتقديرها لجسد الانسان بعد وفاته.. فالإسلام من جهة ساوى بين كرامة الحي والميت ــ وقال في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع) وقال أيضا (كسر عظم الميت ككسره حيا)..

وفي المقابل هناك شعوب لا أقول أنها تكره موتاها ولكنها تعتقد أن خروج الروح منها لا يترك بعدها شيئا يستحق العناء ــ خصوصا لدى الثقافات التي تعتقد بتناسخها في أجساد أخرى..

هذا ما يفسر رمي جثث الموتى للتماسيح (كما في الكونغو) أو ربطها في جذوع الأشجار (كما في الأمازون وتيرانيان في بالي) أو تركها للنسور والغربان (كما في التيبت وبعض أجزاء النيبال) أو تصديرها للخارج (لأغراض التشريح في كليات الطب والصيدلة) كما في الصين وتايوان!!

.. في إحدى العواصم الآسيوية رأيت بنفسي مقابر طولية يحشر فيها الأموات ثم يبنى عليهم بالطوب (بحيث تبدو المقابر من بعيد كخلايا النحل).. وبعد عشر سنوات (حسب القانون) يسمح لعمال المقابر باستخراج رفات الميت وبيعها كمواد خام.. وبسبب فقرهم المدقع لا أتوقع تقيد عمال المقابر بقانون «العشر سنوات» كون بيع الجثث الجديدة يعني دهنا يكفي لصنع عشرين قطعة صابون، وكربون يكفي لصنع علبه أقلام الرصاص، وفوسفور يكفي لصنع مائة عود ثقاب، وماغنسيوم يكفي لصنع جرعة مسهلات طبية، وحديد يكفي لصنع مسامير متوسطة الطول، وقدر من الجير يكفي لتبييض حجرة صغيرة..

والأمر لا يتعلق فقط بتجار المقابر كون عائلات كثيرة ــ في شرق آسيا بالذات ــ لا تمانع بيع جثث وشعور موتاهــا بدافع الفقر والحاجة.. فـجثة الميت يمكن أن تباع بما يساوي دخلها لمدة ستة أشهر، وبـواريك الشعر الأصلية بثلاثة وأربعة آلاف دولار في الأسواق الغربية!!

وياليت الأمر يتوقف عند المتاجرة بالأعضاء البشرية مثل الكـلية والقـرنيـة والـقلب بل دخل في مناسبات كثيرة مجال الصناعات التحويلية وتوفـير الخامات الأولية.. فألمانيا النازية مثلا استعملت جـثث المعتقلين لإنتاج الزيـوت والـصوابـين والمواد الكيميائية.. وأثناء احتلال مصر كان الجيش البريطاني يستعمل الجـثث المـحـنطة كوقود للقطارات.. وفي أفغانستان ــ أيام الجهاد ضد الروس ــ احترف بعـض التجار طحن عـظام الموتى وبيعها كمواد كــلسـية.. وفي الصين تعمد المعامل الشعبية لشراء الفضـلات البشرية لإنتاج الأسـمدة والمفـرقعـات.. وحتى يومنا هذا تشـتري مختبرات التجميل العالمية مـشـيـمات الأجـنة المـجهـضة لتحضير مغذيات البشرة ومقاومات تجـعـد الجلد !!

.. غـير أن معظم هذه الممارسات (رغـم حدوثها فعلا) تعـد نادرة مقابل تمتع الأموات بكرامة الدفـن في معظم البلدان..

وفي جميع الأحوال.. أنصحك بأن تكون واضحا بخصوص أيــن ومتى يتم دفـنك «وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»..

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

أخبار ذات صلة

0 تعليق